الحقيقة أنه سؤال مهم وجوابه هو: أن الرجل الصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر،لقلة تمكن الشيطان منه،بخلاف عكسه،فإن الصدق في رؤياه نادر،لغلبة تسلط الشيطان عليه،وقد جاء عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءأ من النبوة ” متفق عليه(1).
وأخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة عن النبي صلي الله علية وسلم قال: ” إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب,واصدقكم حديثأ،ورؤيا المسلم جزء من خمسة واربعين جزء من النبوة”(2).
قال النووي: قال الخطابي: المراد إذا قارب الزمان أن يعتدل ليله ونهاره وهذا أيام الربيع.وقيل المراد إذا قارب القيامة,والأول اشهر عند أهل الرؤيا,وجاء في حديث ما يؤيد الثاني والله أعلم أ. ة. والصدق أعظم أوصاف الأنبياء يقظة ومناما،فمن تأسي بهم في الصدق حصل من رؤياه على الصدق.
قال المهلب: الناس على هذا ثلاث درجات:-
أ – الأنبياء،ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
ب – الصالحون,والأغلب على رؤياهم الصدق,وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير فتقع رؤاهم كما رؤاياها في المنام تماما.
ج – من عداهم…يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم ثلاثة أقسام:-
1_ مستورون ,فالغالب استواء الحال في حقهم.
2_فسقة،والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق,وقد عنون البخاري في صحيحه:”باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك”.
3 _ كفار,ويغلب على رؤاهم الأضغاث ويندر فيها الصدق جداً،ويشير إلى ذلك حديث : ” وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا” الذي أخرجه مسلم .
وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار, كما في رؤيا صاحبي السجن مع النبي يوسف عليه الصلاة والسلام , قال تعالي :
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، يوسف:آيه36.
وكما سبق عنون البخاري في صحيحه باب:”رؤيا أهل السجون والفساد والشرك”, ووقع في رواية :”الشراب وهم أهل الشراب” ,والمراد الشراب المحرم،،
وورد أن الساقي قال ليوسف: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة فنبتت فخرج فيها ثلاث عناقيد فعصرتهن تم سقيت الملك فقال: تمكث في السجن ثلاثأ ثم تخرج فتسقيه على عادتك. فكان كما قال وخرج.
(4) وكذلك رؤيا ملكهما، قال تعالى في سورة يوسف:آيه43، (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)،ومعني : عجاف مشتق من عجف،والجمع عجاف وعجف،والمراد ظهور العظام من الهزل.
وقد تخصص بعض العلماء الرؤيا التي تنسب الى جزء من أجزاء النبوة برؤيا المؤمن الصالح فقط لا الفاسق.
وقد سبق معنا قول القرطبي :” المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حالأ حال الأنبياء ,فأكرم بنوع مما أكرم به الآنبياء,وهو الاطلاع على الغيب.
وأما الكافر والفاسق والمختلط فلا,ولو صدقت رؤياهم أحيانأ،فذاك كما يصدق الكذوب,وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة,كالكاهن والمنجم،وقد تقدم لنا تعقب الامام محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله على قوله: فليعلم.
لكن يجب التنبيه هنا،إلى أن الرؤيا الصالحة التي تكون سبباً لشرع بعض الأحكام مقيدة بما إذا وقعت في عهد رسول من الرسل فقط وأقرها، وأما لغيرهم من الناس فهي مبشرات أو منذرات,فقد يكون في تعبيرها بشارة لصاحبها من خيري الدنيا أو الاخرة,وقد يكون فيها تحذير له من نقص أو تقصير في عمله أو فى ديانته,وقد جاء في تفسير قوله تعالى :
(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)،سورة الشورى:آيه51.
قال بعض السلف: ” من وراء حجاب ” أي في منامه، فإذا طهرت النفس من الرذائل,انجلت مرآة القلب,وقابل اللوح المحفوظ في النوم,وانتقش فيه من عجائب الغيب,وغرائب الدنيا.
فمن الصديقين من يكون له في منامه مكالمة ومحادثة،ويأمره الله وينهاه في المنام ,وقد سئل الرسول صلي الله عليه وسلم عن قوله تعالى في سورة يونس-آيه 64، (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)،فقال: “هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له”. رواه الإمام أحمد(7)
يمكن الاستفادة من المقالة بشرط :
الإحالة للموقع وصاحبه فقط ومن ينقل أو يقتبس دون إحالة فهو عرضه للعقاب الدنيوي والأخروي.