هذه فعلا وجهة نظري، وهي أن موعد موت أي إنسان لا يعلمه إلا الله، وإذا ما جاءت رؤيا وفيها إخبار بموعد موت فلان من الناس، فليس آحاد الناس بقادرين على معرفة التعبير هذا، وأما الأنبياء أو الملهمين، ففي ظني أنهم قادرين على معرفة هذا، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رأى أن ديكا جاءه ونقر على رأسه ثلاث نقرات، فقال وهو يخطب في الناس: لا أراني إلا ميتا بعد ثلاث ليال.*1
وفي قصة نبي الله يوسف عليه السلام قال لأحد الفتيين إنه سيصلب وتأكل الطير من رأسه، وإن كان لم يحدده ولذا قال: ( أما أحدكما فيسقي ربه خمرا، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه).-سورة يوسف الآية 41- والنصوص السابقة تثبت أن هناك من الناس الصالحين من يعلم بموته من خلال الرؤيا الصادقة، وهناك من المعبرين من يعلم بموت إنسان ما، ولكن لا أرى أن يخبر المعبر بهذا الإنسان قبل وقوعه من يسأله، أما بعد وقوعه فلا مانع لانتفاء سبب الاحتراز منه، وأؤكد أن المعبرين من الأنبياء والرسل أو الصحابة يختلفون عن غيرهم؛ فراسة وإلهاما، مما قد يجعلهم والحالة هذه يستطيعون الغوص في معاني التعبير ما لا يغوص عليه غيرهم.
ثم إن تعبير الرؤى يقوم على التفاؤل، ولذا فقبل وقوع الرؤيا المحتملة لمعنيين فيجب ألا نحيد عنه فنعبر دوما على الخير، ولا نوقعه مع إمكانية وقوعه على الشر، ولعل في قصة الرجل الذي كان محموما وعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: طهور إن شاء الله فرد عليه بما يخالف التفاؤل، دليل على وقوع المعنى المضاد حال كونه محتملا له، وهذا في التفاؤل والتشاؤم وهو مما يستشرف به المستقبل شأنه شأن الرؤيا تماما.
ونص الحديث هو: عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال: ( لا بأس، طهور إن شاء الله ). فقال له: ( لا بأس طهور إن شاء الله ). قال: قُلْت: طهور ؟ كلا، بل هي حمى تفور، – أو تثور – على شيخ كبير، تُزيُره القبور، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( فنعم إذا).*2
وأما بعد الوقوع وبعد موت الإنسان المعني بالرؤية، فلا يوجد ما يمنع أن أعبرها تفاؤلا بحسن حاله أيضا.
وأخيرا فمبدأي ومنهجي في التعبير؛ أن أغلق الباب في الكلام بالغيبيات التي فيها جلب لباب الفتنة، ولذا قلت ما قلته في البرنامج، ولا أزال أسير عليه.
———————
*1– لم يرد فيما وجدته في الكتب لفظ ثلاث ليال، والحديث في مسلم بلفظ: “….أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله وذكر أبا بكر. قال: إنّي رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، وإني لاأراه إلا حُضُور أجلي…. ) صحيح مسلم- ( 1/396) – كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب نهى من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها…وفي المصنف: ” ان عمر ابن الخطاب قال، او خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:” أيها الناس، إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين، ولا أرى ذلك إلا حضور أجلي”- مصنف ابن ابي شيبة – )10/336) – كتاب الرؤيا -باب ما عبره عمر رضي الله عنه- مكتبة الرشد- ط1/1425هـ – 2004م.
*2- فتح الباري- (10/146)- كتاب المرضى- باب عيادة الأعراب.