يجد الباحث في علم التعبير بعض المسائل المتعلقة به أحيانا عامة وعائمة، تحتاج للتوضيح وإزالة اللبس، ولن يتأتى هذا للباحث إلا بعد القراءة المتأنية للنصوص الأصيلة، ومحاولة استنباط ما قد يوجد فيها من إشارات أو دلالات.
ومن ثم وبعد هذه المرحلة، فقد يفتح الله على المرء، خاصة مع صدق النية ومع التضرع لله أن يدله على الحق، قد يصل بعون الله للفهم الدقيق واكتشاف كثير من الأمور التي يزول بها هذا اللبس او الوهم في كثير من المسائل التي كانت ولا تزال موجودة في هذا العلم.
لعلي هنا أضرب مثالا بمسألة مهمة في هذا الفن، وهي قضية الرؤى العامة، فأنت أحيانا يستوقفك معبر من المعبرين، يسأل عن رؤيا من الرؤى، إما في جلسة خاصة أو عامة، فتجده يعبرها ويصدر تعبيرها بقوله:
هذه رؤيا عامة، ثم يوقع التعبير على حدث عام يهم دولا أو دولة، أو شعبا أو شعوبا، كأن يقول هذا يدل على نصر في حرب، أو سقوط دولة معينة، أو علامة كونية عامة، ونحوها من أمور تنصرف دلالتها للعموم وليس للخصوص.
وهذه المسألة موهمة جدا، ومدعاة للخطأ، وهي من أعظم ما يسبب البلبلة بين الناس لأخذهم عادة كلام المعبر بالتصديق، وهي أيضا بالمناسبة من أكثر الأمور التي يجب الحذر منها والبعد عنها؛ لو كان التعبير على أمر غير سار؛ لأن خطره وأثره حال وقوعه، سيكون وقتها يقع على جماعة من الناس أو شعبا من الشعوب، عكس ما لو كان التعبير منحصرا بأفراد.
دعونا نتأمل مثالا رئيسا في هذا النوع، وهي قصة أرويها باختصار، كيف نصح يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام فرعون في مصر القديمة، حيث رأى فرعون رؤيا عظيمة، كما جاء ذكرها في القرآن الكريم:( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ` قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ `* وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ `* يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ` ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )[ يوسف: ٤٣ – ٤٩ ].
وبذلك التعبير العجيب أنقذ سيدنا يوسف عليه السلام، مصر من مجاعة كبيرة وشديدة.
فما الذي جعل يوسف عليه السلام يصرف معنى هذه الرؤيا للعموم؟
بظني فإن الإجابة على هذا التساؤل هو الهدف الرئيس لهذا المقال، والذي يظنه كاتب المقال، فهذا الأمر هو أن الرائي يلي ولاية عامة، ورؤيته لهذا السبب ذات مدلول عام في الغالب.
ولو قدر أن رأى مثل هذه الرؤية إنسان من عامة الناس، فحينها سيختلف جذريا معنى الرؤية من المعنى العام، إلى المعنى الخاص بصاحب الرؤيا حسب حالته الوظيفية والاجتماعية.
ولذا فالذي يظهر لصاحب المقالة، أن الرؤى العامة غالباً، تكون لدى من يلي للناس ولاية عامة، كالحكام والملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والقضاة، ونحو هؤلاء ممن يكون عادة لهم أعمال يباشرون فيها مصالح الناس.
يمكن الاستفادة من المقالة بشرط :
الإحالة للموقع وصاحبه فقط ومن ينقل أو يقتبس دون إحالة فهو عرضه للعقاب الدنيوي والأخروي.