هل للفراسة علاقة بتعبير الرؤيا ؟

الفراسة في اللغة: مشتقة من قولهم فرس السّبُعُ الشاة، فكانت الفراسة عبارة عن إختلاس العارف، وأُطلق على السبع؛ لأنه يفترس المسافات جريا.*2

والفراسة بكسر الفاء، في النظر والتثبت والتأمل للشيء والبصر به، يقال أنه لفارس في هذا الأمر إذا كان عالما به… ، والفراسة بالكسر: الإسم من قولك تفرّست فيه خيرا…. وتفرس فيه الشيء توسمه.*3

وهي اصطلاحا: الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله، وألوانه، وأقواله، على أخلاقه، وفضائله، ورذائله. وقد نبه الله على صدقها بقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) [ الحِجر: ٧٥ ].*4

والفراسة نوعان:

  • نوع يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وهو ضرب من الإلهام؛ وهو الذي يسمى صاحبه المُحدّث، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، قال صلى الله عليه وسلم: “قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم”. قال ابن وهب: تفسير محدثون: مُلهمون، وقيل: مصيبون، إذا ظنوا فكأنهم حدثوا بشيء فظنوه. وقيل: تكلمهم الملائكة. وقال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم.*5

 وقد يكون هذا الإلهام حال اليقظة، أو المنام، وحقيقته أنه : خاطر يهجم على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على فريسته، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدّ فراسة،  وقد جاء في الحديث: [اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله].*6

  • نوع يكون بصناعة متعلمة، وهي معرفة ما في الألوان، والأشكال، وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية، ومن عرف ذلك، وكان ذا فهم ثابت؛ قَوِي على الفراسة.*2

يقول الإمام ابن القيم: إن الفراسة كانت وستظل منزلة من منازل: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الفاتحة: ٥]، وما ذاك إلا لأنها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل والحالي والعاطل والصادق والكاذب.*3

وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُّ فراسة. ويقول ابن مسعود رحمه الله ورضي عنه: ( أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا…، وابنة شعيب حين قالت استأجره…، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حين استخلفه ).*4

 وقد كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم يتحلى بها، وكان الصديق رضي الله عنه في مقدمتهم، فهو أعظم الأمة فراسة، ومن الأمثلة على فراسته:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: يا أبا بكر رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف، قال رضي الله عنه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقبضك الله إلى رحمته ومغفرته، وأعيش بعدك سنتين ونصفا.*5  

وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه  فإنه ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع المعروفة كما جاء في صحيح مسلم عنه قال: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. وجاءت أيضا موافقته في تحريم الخمر، ومنع الصلاة على المنافقين، وحين احتج نساء النبي صلى الله عليه وسلم عليه في الغيرة، قال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت الآية بذلك.

………………………………………………………………………………..

*2-  كتاب الفراسة دليلك إلى معرفة أخلاق الناس وطبائعهم كأنهم كتاب مفتوح ص/21 –  مكتبة القرآن للطبع والنشر- القاهرة – تحقيق وتعليق مصطفى عاشور.

*3- لسان العرب لابن منظور – ص: 3379 – باب الفاء –دار المعارف،طبعة بولاق 1300هـ

*4- الفراسة دليلك إلى معرفة أخلاق الناس وطبائعهم كأنهم كتاب مفتوح- ص/21، ” في الهامش من كلام العلامة المناوي في كتابه فيض القدير شرح كتاب الجامع الصحيح”.

*5- صحيح مسلم- ( 4/1864)-كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل عمر رضي الله عنه.

*6- عارضة الأحوذي- (11/289) – أبواب التفسير ( من سورة الحجر)، وقال أبو عيسى هذا حديث غريب، وهو عند الطبراني ورواه البخاري في التاريخ، وضعفه الألباني.

*1- فتح الباري- (11/414)- كتاب الرقاق – باب التواضع.

*2- كتاب الفراسة دليلك إلى معرفة أخلاق الناس وطبائعهم كأنهم كتاب مفتوح/ ص 22في الهامش

*3- مدارج السالكين – لمحمد بن ابي بكر أيوب الزرعي- ص:115 – دار الكتب العربي – بيروت – ط2، 1393هـ – 1973م. تحقيق محمد الفقي.

*4- كتاب الفراسة دليلك إلى معرفة أخلاق الناس وطبائعهم كأنهم كتاب مفتوح/ ص3

*5- رواه ابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب مرسلا- كتاب الطبقات الكبير لمحمد ابن سعد -(3/162)- الناشر مكتبة الخانجي – القاهرة – ط1 – 1421هـ – 2001م.

*6- صحيح مسلم بشرح النووي – ( 7/409) – كتاب الفضائل- باب من فضائل عمر رضي الله عنه.

يمكن الاستفادة من المقالة بشرط :
الإحالة للموقع وصاحبه فقط ومن ينقل أو يقتبس دون إحالة فهو عرضه للعقاب الدنيوي والأخروي.