كثير من الناس عند سؤاله عن رؤياً رآها، تجده بعد أن يقصَّ رؤياه عليك يقول لك..
مع العلم أنّني مسحور.
أو: أرى منامات وأحلام وفسرت لي بأن عندي سحر وعمل لي عمل؛ ومن المعلوم أن المسحور يصاحبه بعض الأحلام.
أو: أنا مصاب بالعين من وقت طويل, ولم أجد علاجاً
أو: أُخبرت أنني معيون أو معيونة، ومن أخبرني ناس ثقات!!
أو: مع العلم أنني أقرأ عند فلان من مدة كذا وكذا، وبدأت أشعر بتحسن… وغيرها.
هذه أيّها الأخوة والأخوات أمثلة ونماذج لبعض الاتصالات أو بعض الرسائل المكتوبة التي تردُ بين وقتٍ وآخر، وهنا لي وقفات، آمل منكم أن تقرؤها باهتمام ليكون حكمكُم صائباً إن شاء الله.
- السحر موجود وهو يؤثر في الإنسان تأثيراً حقيقياً، وكذلك العين حق وموجودة وقد جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين …. ) *1
- الغفلةُ عن ذكر الله موجودة وهي آخذةُ في التصاعد بين الناس لأسباب كثيرة ومعروفة من حبّ للدنيا وافتتان بها وانتشارٍ للمعاصي وتساهل فيها، وتساهلٍ في أكل الحلال.
- هُجرَ القرآن ورُكن على الرفوف في المساجد، أو البيوت، وأصبح الكثير منا لا يقرؤوه إلاَّ في أوقات قليلة، والبعض يقتصر على قراءته في رمضان والبعض في يوم الجمعة، أليست هذه حقيقة… وأيُّ حقيقة!! بل إن البعض اكتفى بتعليقه على الجدران دون قراءته.
- أكثر الآباء والأمهات لا يعوّد أبناءه على المداومة على الأذكار والأوراد الشرعية التي تقال في الصباح والمساء وعند النوم وعند دخول المنزل، ودخول الخلاء، والأكل، ولبس الجديد… وغيرها من أمور تتكرَّرُ على كل واحد منا كل يوم.
- انتشر الجهل، وقلَّ العلم وأقصد هنا العلمَ الشرعي وكَثُرَ مدعو العلم الذين يفتون الناس بغير علم وبلا منهج أو ضابط وهؤلاء تجدهم يقومون بمهمة إضلال لا هداية، ووصفاتهم جاهرة (جاهزة ) لصرفها على من يزورهم، فتارةً يقولون: يوجد عندك سحر، وأخرى: يوجد عندك عين، وعليك بالحضور وعمل جلساتٍ من العلاج، وعليك، ولا يتورع هؤلاء عن الكشفِ عن جسم المريض ولو كان أنثى، والنفثِ في داخل جسمها. !
- ساهم بعض معبري الرؤى في شيوع هذه الظاهرة أعني ظاهرة البحث عن العلاج من خلال الرؤى بكثرة تفسيرهم لبعض الرؤى بأنها منذرات لأمراض تحصل بسبب انتشار المعاصي، ومنخلال قول بعضهم أنه يستطيع معرفة العائن من خلال الرؤيا، وقول بعضهم أنه توصل لعلاج نافع وشافٍ من خلال الرؤى وقد جُرّب ونفع وهكذا… السلسلة تطول.
وأنا أقول هنا: بشّروا ولا تُنَفّروا، وارفقوا بالناس، ولا ترهبوهم، وعليكم عند تعبير الرؤيا إن كان فيها شرٌّ على الرائي أن تطلبوا منه ما ورد عند رؤية الإنسان ما يكره من الأمور، وإن كان فيها ما يدل على شيء غير سار لصاحب الرؤيا، عليك يا أخي أن ترفق به ولا تُفْزعه، قال ابن حجر عند حديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ( أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً )*1، أنَّ للعالم بالتعبير أن يسكت عن تعبير الرؤيا أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذكر.*2 بارك الله فيك وفي علمك ولنقف مرة أخرى عند حديث عائشة حين عبرت للمرأة بموت زوجها وأنها تلد غلاماً فاجراً بقوله: ( مَهْ يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير فإنَّ الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها ).*3
وقد قال ابن العربي عند شرحه لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما – بينا – أنا نائم رأيت أنه وضع في يَدَيَّ سواران من ذهب فقطعتُهما وكرهتُهما، فأذن لي فنفختهما فطارا، فأولتُهما كذابان يخرجان ). فقال عبدالله رضي الله عنه: أحدهما العَنْسيُّ الذي قتله فيروز في اليمن، والآخرُ مسيلمة. *4
قال ابن العربي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقَّع بطلان أمر مُسيلمةَ والعَنْسيَّ، فأوَل الرؤيا عليهما ليكون ذلك إخراجاً للمنام عليهما ودفعاً لحالهما، فإنَّ الرؤيا إذا عُبرت خرجت، ويحتمل أن يكون بوحي، والأول أقوى. *5
وهذا ممكن كما قلناه إذا كان التعبير له وجه صحيح، فتنصرفُ إليه، ولذلك قد يكون في رؤيا أحد السائلين أو السائلات ما يدلُّ على عين أو مسّ فالأولى عدمُ تعبيرها، والاحترازُ منها بما ورد أنه يدفع شرَّ مثل هذه الرؤى، والله اعلم، ما لم تكن قد وقعت عليه فالأمر مختلف، فيخبره ليصبر وهنا فائدة فقد تكون الرؤيا مُحذّرة بشيء واقع من عموم الناس فهذا يكتم كما قال العلماء لرجحان الكتمان على الذكر [ بتصرف: ابن حجر ] *6
…………………………………………………………………….
*1- صحيح مسلم بشرح النووي- ( 7/83-84) – كتبا الطب- باب الطب والمرض والرقى.
*1- الحديث في فتح الباري كتاب التعبير ص: 534 باب : من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.
*2- المرجع السابق ص: 542 كتاب التعبير من لا ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.
*3– سبق تخريجه.
*4- فتح الباري- (12/519-520)- كتاب التعبير- باب إذا طار الشيء في المنام.
*5- المرجع السابق- (12/521).
*6- المرجع السابق.